أحمد زكي صفوت

65

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

إلى ذلك إلا بالعقوبة المفرطة . والمئونة الشديدة . والرأي للمهدى وفقه اللّه أن لا يقيل عثرتهم . ولا يقبل معذرتهم . حتى تطأهم الجيوش . وتأخذهم السيوف . ويستحرّ « 1 » بهم القتل . ويحدق بهم الموت . ويحيط بهم البلاء . ويطبق عليهم الذّل . فإن فعل المهدى بهم ذلك . كان مقطعة لكل عادة سوء فيهم . وهزيمة لكل بادرة شرّ منهم . واحتمال المهدىّ في مئونة غزوتهم هذه . تضع عنه غزوات كثيرة . ونفقات عظيمة » . فقال المهدى : « قد قال القوم . فاحكم يا أبا الفضل » . 60 - مقال العباس بن محمد فقال العباس بن محمد : « أيها المهدى : أما الموالى فأخذوا بفروع الرأي ، وسلكوا جنبات الصواب ، وتعدّوا أمورا قصّر بنظرهم عنها ، أنه لم تأت تجاربهم عليها . وأما الفضل فأشار بالأموال ألا تنفق ، والجنود ألّا تفرّق ، وبأن لا يعطى القوم ما طلبوا ، ولا يبذل لهم ما سألوا . وجاء بأمر بين ذلك استصغارا لأمرهم ، واستهانة بحربهم . وإنما يهيج جسيمات الأمور صغارها . وأما علىّ فأشار باللين وإفراط الرّفق . وإذا جرّد الوالي لمن غمط أمره وسفه حقّه ، اللين بحتا ، والخير محضا . لم يخلطهما بشدة تعطف القلوب عن لينه . ولا بشرّ يخبسهم إلى خيره . فقد ملّكهم الخلع لعذرهم . ووسّع لهم الفرجة لثنى أعناقهم . فإن أجابوا دعوته . وقبلوا لينه من غير خوف اضطرهم ولا شدة . فنزوة « 2 » في رؤوسهم يستدعون بها البلاء إلى أنفسهم . ويستصرخون بها رأى المهدى فيهم . وإن لم يقبلوا دعوته . ويسرعوا لإجابته باللين المحض ، والخير الصّراح . فذلك ما عليه الظن بهم ، والرأي فيهم ، وما قد يشبه أن يكون من مثلهم . لأن اللّه تعالى خلق الجنة . وجعل فيها

--> ( 1 ) يشتد . ( 2 ) وثبة إلى الشر .